تلمذة مع المسيح
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» قداس ابونا بيشوي علي قناة c t v
الأربعاء نوفمبر 07, 2012 11:55 pm من طرف naderegyptair

» ترنيمة يا يسوع تعبان
الخميس مارس 15, 2012 8:56 am من طرف زهرة المسيح

» هااااااااااااااااااام جدااااااااااااااااااااااااااااا
الجمعة مارس 09, 2012 7:17 pm من طرف البابا كيرلس

» جسد القديس العظيم ماسربل
الجمعة مارس 09, 2012 7:12 pm من طرف البابا كيرلس

» يسوع باعت رساله لاولاده النهارده
الجمعة مارس 09, 2012 6:59 pm من طرف البابا كيرلس

» ارجو الصلاه من اجل البابا
الجمعة مارس 09, 2012 6:50 pm من طرف البابا كيرلس

» لماذا اختار المسيح ان يموت مصلوبا
الجمعة مارس 09, 2012 6:41 pm من طرف البابا كيرلس

» هل يوجد حلال وحرام فى المسيحية
الأربعاء مارس 07, 2012 8:06 pm من طرف البابا كيرلس

» عارفة يعني إيه إحنا أصحاب ؟
السبت فبراير 25, 2012 8:51 pm من طرف Admin


من نساء الكتاب المقدس "سارة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من نساء الكتاب المقدس "سارة"

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء أبريل 19, 2011 12:14 am


مقدمة لا أعلم أن هناك إنساناً على الأرض يتمنى في حياته أن يكون دميمًا، أو عاطلاً من أي جمال، إذ يحب كل مخلوق في الأصل، أن يكون جميلاً، والجمال هو الأساس في هذا الكون، في الطبيعة والحياة، لأنه خرج من إله جميل، يعكس صورته الرائعة فيما يبدع أو يصنع، ولذا لا عجب أن تكون الكلمة المتكررة في قصة الخلق «ورأى الله كل ذلك أنه حسن» كما ختمت بالقول : «ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًا».
وما اقترب مخلوق أو إنسان من الله، الا وأضحى جميلاً، كمثل ما وصل إليه موسى من جمال أخاذ، مبهر، غير عادي، بعد أن صعد إلى الله، وبقى في حضرته العلية هناك أربعين يومًا في الجبل المقدس، والإنسان، وقد تملكه على الدوام حب الجمال، لا يألو جهداً - يدري أو لا يدري - أن يكون أشبه بالكاتب الفرنسي الكبير ديماس الذي إذ ولد أسمر اللون، أصر على أن يعيش أبيض بما يضفي على حياته من جمال وجلال وشخصية، ومن ثم نرى الناس تهرب من القبح، وتحاول أن تخفي البقع أو العيوب، بالمحاولات التي لا تنتهي من أسباب التزيين والتجميل، في المظهر والملبس، وما أشبه مما تراه في كل زمان وكل مكان حيث يوجد الناس على ظهر هذه الأرض...
وإذا كان الجمال قد أحدث هذا الأثر أو الجهد في حياة الناس، فإنه يقف من الوجهة الأخرى، وراء أقسى ما عرفه الإنسان من تجارب وخطايا وأثام وآلام ومجازر وحروب في التاريخ البشري.. ومن الغريب أن الناس تقرأ قصة سارة الجميلة، والجميلة جدًا، دون أن تتلفت أو تتأمل في أثر هذا الجمال من وجهتيه القويتين في حياتها.. وأغلب الظن أنهم يفعلون ذلك، لأن جمال سارة رغم أنه مفتاح حياتها ومحور كيانها وشخصيتها، إلا أنه دائمًا يقع في الظل، إذ أن شخصية إبراهيم زوجها، لم تعط الناس الفرصة الكافية الكاملة، للتحديق، والتدقيق، في هذا الجمال الأنثوي الرائع، ولعلنا اليوم نستطيع أن نتأمله كما جاء في القصة الكتابية من ثلاث وجهات.
سارة وروعة جمالها
مما لا شبهة فيه أن سارة كانت واحدة من أعظم الجميلات اللواتي ظهرت على هذه الأرض، والشيء العجيب والمثير حقًا، أن المصورين لم يتعرضوا بأعمال الخيال، في صورهم التي خلدوا بها بعض السيدات، أمام عقول وأفكار الناس، لأم المؤمنين، ليخرجوها في هذه الصورة أو تلك، على ما كانت عليه من جمال أدار الرؤوس، في كل مكان ذهبت إليه، وقد يكون هذا كما أشرنا، إلى وجودها على الدوام، في ظل زوجها، الذي استرعى كل الانتباه، كما أنها في طبيعتها، وعلى عكس المألوف في الجميلات، كانت لا ترغب في الظهور، أو لفت النظر إلى هذا الجمال إذ هي ساكنة إلى خيمتها، منزوية فيها، لا تظهر أمام الآخرين، كما جاء في جواب إبراهيم على سؤال مولاه : «أين سارة امرأتك، فقال ها هي في الخيمة».
ومهما كان الأمر فمما لاشك فيه إنها كانت واحدة من أجمل بنات جنسها في عصرها، وفي كل العصور كان جمالها، الجمال الكلداني الذي جاء من وراء آرام النهرين، الجمال الذي كان يلفت النظر لكل من يقترب منه أو يتطلع إليه، الجمال الذي كان ولاشك معروفًا لديها، فلم تكن تجهل حقيقة جمالها، أو عظمة هذا الجمال، الجمال الذي كان يدركه إبراهيم إدراكًا عميقًا في قوله : «أني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر».
... الجمال الذي رآه المصريون : «فرأوا المرأة أنها حسنة جداً، ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون» .. أو هو الجمال الذي لم يكن في نظرهم يليق بأقل من الملك نفسه، كما أن أبيمالك ملك جرار كان على ذات الفكرة عندما رآها «وأراد أن يتخذها لنفسه زوجة»... على أي حال فان المرء لا يمكن أن يمر بقصتها، دون أن يذكر في الحال، أنها من ذلك الصنف الطويل المبهر الذي لا ينتهي، في الجميلات المؤمنات، اللواتي أعدن الجمال إلى صاحبه، وخالقه، وكرسنه في الحياة أو الموت لمجد الله،.. عندما وقف الضابط الروماني في قصة اندروكليس يحاول أن يمنع الفتاة المسيحية من الاستشهاد، وهو يقول إن جمالها هذا لا ينبغي أن يذهب نهبة الضياع، والهلاك، والموت، وهي تتعلق بأمل، قد لا يكون موجودًا عن عالم آخر! أما هي فقد أجابته بنبل وشهامة.. إن الله استولى على جمالها!! وإنها ستذهب إليه، لأنها ستجد هناك جمالاً أبهر وأعظم وأمجد!! وكانت الفتاة على حق، فإن جمال الجسد أي جسد كان، هو لله، قبل أن يكون لصاحبته، أو لزوج من الأزواج بين الناس، وأن هذا الجسد، مهما بلغ من الروعة والعظمة والمجد، سيبقى جسدًا ترابيا حيوانيًا، حتى يبلغ ما ذكره الرسول في قوله : «وأجسام سماوية، وأجسام أرضية لكن مجد السموات شيء ومجد الأرضيات آخر... هكذا أيضًا قيامة الأموات يزرع في فساد ويقام في عدم فساد، يزرع في هوان ويقام في مجد، يزرع في ضعف ويقام في قوة، يزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحانيًا».. وهذا ما تعرفه المسيحية بخلاص الجسد.. فإذا كان المسيح يخلص أرواح المؤمنين، غداة انتقالها من الجسد إلى الله، فان خلاص الجسد ومجده الأعظم لابد أن يتحقق في صبح القيامة في اليوم الأخير!! واذا عن لواحد أن يسأل عن الفرق بين هذا وذاك، ونسبة الامتياز في الأخير عن الأول من حيث الجلال والمجد، فعليه أن يذكر ما أشار إليه الرسول بولس من فارق بين حبه الحنطة والشجرة الجميلة الخضراء المثمرة والمنبثقة عنها... على أن سارة كانت إلى جانب جمال شكلها، على حظ وافر وكبير من جمال العقل، قال أحدهم إذ قرأ بعض كتابات جون رسكن، يا لهذا الرجل من عقل جميل، ومع أن سقراط كان دميم الخلقة، إلا أنه كان جميل العقل جبار التفكير، والمرأة التي تجمع إلى جمال شكلها، جمال العقل،.. تعتبر بحق امرأة ممتازة بين الناس،.. وجمال سارة من هذا القبيل، إنها عاشت على الدوام تأخذ مكانها إلى الخلف من إبراهيم تطيعه داعية إياه سيدها، ولم يكن هذا مما يقلل مركزها، أو يفقدها مكانتها من الإجلال والاحترام، بل بالحري، يعظمها ويكرمها، وفي الوقت نفسه ينظم العلاقة الوظيفية بينها وبين زوجها، فيأخذ هو مركز القيادة، وتأخذ هي مركز الدفع الخفي والخلفي، المتاح لها، في دفع القافلة إلى الأمام، في الرحلة التي خرج كلاهما ليكونا رائديها وأبويها على مر العصور والأجيال، وقد كان إبراهيم الرحالة الأول في سبيل الإيمان، سعيدًا كما قال أحدهم : لأنه في رحلته الخالدة لم يجد امرأة تكثر الأسئلة وهو ينقل من مكان إلى مكان، ولا ينبغي أن يتصور أحد أن مرجع هذا كله، أنها كانت ضحلة التفكير سطحية التأمل، بل على العكس تمامًا أن تفكيرها وذكاءها، كانا محسوبين عليها، كما سنرى فيما بعد، عندما دفعت هاجر إلى حضن إبراهيم، فسقطت فيما يسقط فيه الأذكياء من الاعتماد على الفكر أو الرأي، دون الانتظار لإرادة الله الأعلى والأسمى، وفي غير هذا الأمر، كانت وستبقى المثل العظيم، للمرأة الفاضلة التي تبني بيتها، بالحكمة المضاعفة، حكمة من يعمل ولا يظهر ويدفع ولا يبين، ويؤثر ولا يفتخر،.. زوجها معروف في الأبواب حين يجلس بين مشايخ الأرض، كما يقول الحكيم سليمان، وليس مهملاً أو متروكًا أو منتقص القدر أو الكرامة، كما تفعل الكثيرات من الجميلات، تعاليا أو كبرا أو بدعوى أن الزوج ليس مثل إبراهيم في قوة الشخصية، أو عظمة حياته، أو جلال تدبيره، اذ أن هذا الفرض أن صح وجوده، لا يبرر ظهور امرأة على الرجل، أو دفعه إلى الخلف بأية حركة ، بل العكس هو الصحيح، اذ يضاعف من جهدها، في تغطيته بحكمة، متى ظهر منه النقص والعورة والضعف والقصور، وكم لعبت نساء حكيمات مثل هذا الدور في كل العصور، حتى يقال بحق خلف كل رجل عظيم امرأة عاقلة!! على أن جمال الروح أعظم من جمال البدن، والعقل عند هذه الأم العظيمة القديمة!!.. قالت الفتاة المأخوذة بروعة جلستها مع سيدة عظيمة : يا سيدتي إني مستعدة أن أعطي العالم كله، إذا كان لي أن أحصل على مثل هذا البهاء والجمال المتوفرين لشخصك، والظاهرين في حياتك والمرسومين على وجهك، وأجابت الأخرى بكل هدوء ورصانة! وهذا يا بنيتي، هو الثمن الذي دفعته بالضبط للحصول على ذلك، وما من شك بأن سارة يحق لها أن تقول مثل هذا القول إذ إن جمال روحها كان واضحًا من اللحظة الأولى التي خرجت فيها مع زوجها العظيم في رحلته الخالدة، إلى حيث لا يعلم إلى أين يأتي، ولا شبهة في أنها وهي تطوح بالعالم القديم خلفها، لتكون أما لجميع الخالدين من المؤمنين، كانت تكشف عن روح من أجمل الأرواح التي عاشت على ظهر الأرض بين الناس، كانت سارة واحدة من أعظم الحالمات بالرؤى العظيمة، اذ عاشت سنوات طوالاً، تحلم برؤيا أمم وممالك وشعوب، تخرج من أحشائها وتبارك كل الأرض، وما من شك بأن هذه الرؤيا رسمت، تدري أو لا تدري، أروع وأمجد مظاهر الجلال والجمال في حياتها ونفسيتها العظيمة، وليس هناك فيما أعتقد، ما يعطي الإنسان جمالاً، أو يضفي عليه من مسحة نورانية قدر تملكه لرؤيا عظيمة، أو حلم كبير! ان الرؤيا أو الحلم يصنع للإنسان جناحين عظيمين يحلق بهما على ارتفاع من كل ضيق أو سأم أو ملل أو تعب أو شك ويرقي به فوق كل ما يعكر النفس، ويهزم المشاعر، ويحطم الآمال، وأصحاب الشباب الخالد، هم الذي علت أحلامهم على واقع الحياة المضطربة بالمآسي والمفشلات والمتاعب والدموع، كانت سارة امرأة غنية ولو قيس ما عندما من ذهب وثروة بمقاييس عصرنا الحاضر، لكانت من أولئك الذين يطلق عليهم في عالمنا بأصحاب الملايين، لكني اعتقد أن غناها الحقيقي لم يكن فيما تملك من مادة، بل فيما وصلت إليه من إيمان، اذ قيل : «بالإيمان سارة نفسها أيضًا أخذت قدرة على إنشاء نسل وبعد وقت السن ولدت اذ حسبت الذي وعد صادقًا».. كانت سارة غنية في روحها بالإيمان بالله!.
وإلى جانب هذا كله لم تعرف المرأة الجميلة قط، حياة الشموخ، أو التعالي، أو الكبرياء، بل على النقيض كانت زينتها الحقيقية الروح الوديع الهادي، الذي هو قدام الله كثير الثمن، كانت هذه المرأة - اذا جاز التعبير - ذات جسد من لجين، أو فضة كما يقولون، وعقل من ذهب، وروح درية، ينطبق عليها حقًا قول الحكيم القديم «امرأة فاضلة من يجدها لأن ثمنها يفوق اللآليء».
سارة وتجارب جمالها
وهل يمكن أن يوجد في الوجود جمال، دون أن يخلق في عالمنا هذا، عالم المتناقضات، الكثير من المتاعب والتجارب، ولعل أول تجربة لهذا الجمال تجربة القلق والخوف، كان إبراهيم كرحالة، يخشى، كما هو متصور، من الاعتداء على كل ثمين وغال عنده،... إذ ليس لمعدوم أن يخشى متابعة سارق أو مطاردة لص ولكن إبراهيم لم يكن معدمًا، بل كان رجلاً واسع الثراء، غنيًا جدًا، على أن أغلى ما كان يملك، لم يكن متاعا أو شيئًا، بل شخص زوجته الجميلة الحسناء، اذ كانت هي وحدها في كفة، وكل ذهبه، وفضته ومقتنياته في الكفة الأخرى،.. وكان إبراهيم يخاف على زوجته، أكثر من كل ما يقتني بل أكثر من حياته هو أيضًا، ولم يكن اتفاقه مع زوجته، على أن تذكر أنها أخته في كل مكان يقصد حماية حياته هو، بل أنه وقد أحبها حبًا عميقًا، كان يقصد أن يعيش من أجلها كما هو ظاهر من قوله : «وتحيا نفسي من أجلك» كانت سارة في الأصل اسمها «ساراي» أو «أميرتي» وكانت أشبه بالدرة أو التاج على مفرق الرجل، كانت أميرته المحبوبة والعزيزة عليه، وكان جمالها غير عادي يثير خوفه وفزعه، كما يخاف الإنسان على اللبن النقي من أن تعلق به أوساخ أو ذرات من التراب، وهذا في الواقع مجد الجمال، وخطورته أيضًا، فهو على قدر ما يريح العين لصاحبه، يثير الرغبة والشهوة في نفس الكثيرين، ومن الوقت الذي صاح فيه لامك لامرأتية عادة وصلة «اسمعا قولي يا امرأتي لامك، واصغيا إلى كلامي، فاني قتلت رجلا لجرحي وفتي لشدخي» ويقال أن ذلك كان بسبب تعرض آثم لحياته الزوجية،.. إلى الوقت الذي يضيع فيه آمنون أخته وضاع في أثرها،... إلى حروب تروادة من أجل هيلين اليونانية الجميلة... إلى قصص لا تنتهي، في كل جيل وعصر، سيبقى الجمال في القمة بين أعظم أسباب المتاعب والشرور والمخاوف والمجازر والآلام البشرية، على أنه إذا كان الجمال تجربة بهذا المعنى، والتجربة تقتضي أن يواجهها الإنسان بكل تأمل وحرص، إلا أن التجربة تتجاوز حدها، إذا تحول هذا التأمل والحرص، إلى القلق والخوف والفزع، وهذه مأساة الإنسان ومحنته الدائمة في الأرض، كان إبراهيم يعلم من اللحظة الأولى، أنه يسير كغريب في الأرض في كنف الله وحمايته ورعايته، وأنه لا يستطيع أن يحرس نفسه أو زوجته، دون سند من الله أو عونه أو ستره أينما اتجه أو سار أو تولى.. وكان وهو أبو المؤمنين، عليه وأن يعلم أنه يسلك على الدوام بالإيمان لا بالعيان، ومن ثم كان خليقًا به وبزوجته، ألا يلجأ إلى ما اتفقا عليه من ذكر نصف الحق وليس الحق كله، بأن تذكر سارة أنها أخته، وتتحاشى أن تشير إلى أنها زوجته، ومرات كثيرة ما يكون نصف الحق، أبشع من الباطل والافك والكذب بعينه، وإذا كان الله قد أفهمها بوضوح، عدم رضائه على ما فعلا في مصر، وكيف تدخل بالضربات العظيمة على فرعون وبيته لينقذهما من آثار ما أقدما عليه من حكمة بشرية كاذبة، فكيف يمكن تفسير تكرار الأمر نفسه في جرار بعد سنوات كثيرة من الحادثة الأولى، وبعد توالي معجزات الله العظيمة في حياته، والتي علمته بما لا يقبل الشك أن قوته ترجع أولاً وأخيرًا، إلى يد الله القوية المتداخلة في رعايته وحراسته، على أي حال أن طبيعتنا البشرية الراهنة تردنا بين الحين والآخر إلى إدراك، مدى الوهن والضعف الذي نحن عليه، والذي يمكن أن تتعرض إليه، حتى ولو كنا في مجد الحياة، وجلال السمو، نحلق في آفاق الإيمان العظيمة المرتفعة، وأكثر من هذا فأنه عندما تكثر الخطية، تزداد النعمة، وأن التجارب التي تحيط بنا كان يمكن أن تضيع تاريخنا وتمحو إيماننا، لولا يد الله الرحيمة التي تمتد إلينا عند ما نشرف على الغرق، أو نقترب من الهلاك والهاوية!! كما ينبغي أن نعلم أن نصف الحق أو الكذب الأبيض، أو ما إلى ذلك من صور، قد تنتهي بالإنسان إلى عكس ما كان يحلم أو يشتهي أو يتصور، فيلحق بقائله ما لحق بإبراهيم من هوان وتوبيخ على يد فرعون وابيمالك الوثنيين، إن مزج الاتكال على الله بالحكمة البشرية ومحاولة الربط بينهما، كثيرًا ما أديا إلى نتائج، لولا رحمة الله لكان من الصعب أو المستحيل تدارك آثارها المفجعة الرهيبة!!
ويظهر هذا على وجه الخصوص في التجربة الثانية، تجربة التأثير البشري المتولد عن سلطة الجمال وقوته! نحن نعلم أن الجمال كثيرًا ما يلعب بالرؤوس، ويثير المشاعر، ويسلب ألباب الناس، بسحره القوي، وسلطانه العظيمة، ولا أعلم إلى أى مدى، كان إبراهيم واقعًا تحت سلطان جمال امرأته العظيم، لكنني أعلم على أي حال، ان إبراهيم لم يبدأ في التفكير في قصة ارتباطه بهاجر، بل أن القاريء المتعمق للقصة الكتابية يرى أن هذه الفكرة بدأت واختمرت في ذهن سارة، وأن إبراهيم كان مترددًا كل التردد تجاهها حتى خضع لرأي زوجته، والمفسرون مختلفون في هذا الأمر إلى حد كبير، فما هو الدافع ياترى لهذه الفكرة التي سيطرت بشدتها وعنفها على سارة حتى الزمت إبراهيم أن يخطو خطواته التنفيذيه فيها.. هل يرجع الأمر إلى أن هذه المرأة الجميلة، بلغ جمالها زروته في نكران الذات، وهي اذ عجزت عن أن تأتي لإبراهيم بابن الموعد، طلبت أ ن يأتي عن طريق آخر، عن طريق جاريتها هاجر، أم أن الأمر على العكس من ذلك، كما يتصور البعض، إذ أنها الكبرياء، التي نهضت في أعماق المرأة ورغم وداعتها، لتحصل على الولد بأي ثمن، وحيث أن النظام المتبع في تلك العصور، إن ابن الجارية يحسب لها، دفعت جاريتها إلى حضن زوجها ليأتي لها بالابن المنشود المرتقب، أم هي كما يرى آخرون نوع من الحكمة الواهمة، التي تحاول بالتحايل أن تحصل على ما ترغب أو تريد عن طريق الذكاء والفهم وإعمال الفكر البشري، أم هي الحيرة التي تتخبط هنا وهناك عندما لا يسعفها الصبر، فتأتي من الأعمال مالم تكن تشتهي أن تطلب أغلب الظن أن سارة لم تكن تعرف بالتمام أن الطبيعة البشرية تتشابك عواطفها كأشجار الغابة، فلا تكاد تعرف تمامًا حقيقة الوازع أو الدافع ، خلف مختلف الأعمال التي تقوم بها أو تنتهجها، على أي حال مهما كان الدافع أو الوازع فان سارة قالت لابرام هوذا الرب قد أمسكني عن الولادة، أدخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين فسمع أبرام لقول ساراي فأخذت سارة امرأة ابرام هاجر جاريتها بعد عشر سنين لإقامة ابرام في أرض كنعان وأعطتها لابرام رجلها زوجة له» وتم للمرأة ما يفرضه الجمال من سلطان وقوى على الكثيرين من الأزواج بين الناس.
والتجربة الثالثة لما يمكن أن يفعله الجمال تجربة القسوة التي نراها في قصة سارة تجاه زوجها، وجاريتها، وإسماعيل الصغير معا، أما زوجها، فقد أخذت تحمله ظلما هي السبب فيه، ونتائج، لو أنصفت لأدركت أنها هي، وليس هو، الأساس والمصدر لكل ما وصلا إليه، أما جاريتها، فقد أذلتها، حتي هربت أولا، ثم طردت مع ابنها ثانيًا، الذي كاد يصل إلى الموت عطشًا عندما تاهت في برية سين، ومع أن لله في كل هذا إرادته العليا، وحكمته الخالصة، وأنه وحده قادر أن يستخلص، من مقاصد الناس ونواياهم ودوافعهم المتباينة ما يتمم به مشيئته العليا، وإرادته الأزلية، إلا أن ما يعينيا ههنا، أن المرأة الجميلة قد تتحول لأسباب كثيرة، إلى الأنثى الطاغية، التي تخرج عن رقتها وهدوئها، فتتحرك لتفعل بأسلوب مباشر أو غير مباشر ما يتردد الرجل مرات كثيرة عن اتيانه، أو الإقدام عليه!!
سارة ومجد جمالها
على أنه إلى جانب هذا كله، فمما لاشك فيه أن جمال سارة بلغ ذروته الحقيقية، ومجده الأعلى، في السنين الأخيرة من حياتها عندما استوى ونضج، وتجاوز حد التجارب، وخلفها وراءه، كانت المرأة الكبيرة، أشبه بقرص الشمس الذهبي، عندما يأخذ سبيله لحظة الشفق إلى الغروب، لقد تطهر جمالها واتسع، وخلا من البقع المتناثرة، التي علقت به في وسط التجارب التي ألمت به كما أسلفنا في رحلة الحياة،..
فقد عاشت سارة في السنوات الأخيرة من عمرها تتوفر على تربية اسحق ابنها، مع إبراهيم أبيه، والبادي أن اسحق أخذ منها الكثير، مما طبع عليه من حياة الهدوء والسلام، مما جعله أقرب إليها من أبيه، كما أن أسحق أعطاها بمولده ومجيئه بعد تسعين عاماً من عمرها، الابتسامة التي ارتسمت على وجهها وأضاءت حياتها بأكملها، حتي أنها اسمته اسحق أي ضحك، تعبيرًا وتجسيدًا للبهجة والسرور والإشراق، التي تغلغت في حياتها، مما لم تكن عرفته واختبرته من قبل، على امتداد السنين الطويلة قبل مولده، لقد عرفت قبل اسحق جمال الشكل، والعقل، والروح، ولكنها بعد ميلاد ابنها، عرفت جمال الأمومة على نحو كان من العسير أن تدركه في معناه الصحيح، لو عاشت عاقرًا فاذا جاءت بناتها فيما بعد، على مختلف العصور والأجيال، يرين في العقم عاراً وذلة وهواناً مثل راحيل، وحنة، واليصابات، وغيرهن، تبين لنا إلى أي مدى توج جمال سارة بهذا اللون البهيج العظيم، مما تفخر به المرأة، جمال الأمومة، على أن هذه المرأة لم تقف عند جمال الأمومة القاصرة على أسرة محدودة أو بيت، لقد تحولت من «ساراي» أميرتي إلى سارة «أم الجماهير» لقد زها نورها عن أن يلمع في مجرد بيت أو أسرة أو شعب، ليمتد إلى أحشاء الزمن، ويتغلغل في جنبات التاريخ لتضحي أم القديسين والقديسات، من بيوت وأسر وأمم وشعوب، واتسعت هالة نورها، على نحو ربما لم تعرفه امرأة أخرى، سوى مريم العذراء، التي ولد منها المسيح سيدنا وربنا مخلص العالم!
على أبواب مغارة المكفيلة أودع إبراهيم ميته، ليشتري الحقل والمغارة، قبل أن يدفن جثمانها المسجي، وهل لنا أن نلقي نظرة أخيرة على هذا الجمال العظيم المتألق، الذي لم تستطع الشيخوخة أن تنال منه، بل لعلها أعطته مسحة من القداسة التي بقيت في ذهن الرسول بطرس عندما قال : «فإنه هكذا كانت النساء القديسات أيضًا المتوكلات على الله يزين أنفسهن خاضعات لرجالهن كما كانت سارة تطيع إبراهيم داعية إياه سيدها التي صرتن أولادها صانعات خيرًا وغير خائفات خوفاً البتة»...

avatar
Admin
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات : 216
تاريخ التسجيل : 08/07/2010
العمر : 25

http://class2010.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى