تلمذة مع المسيح
مواضيع مماثلة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» قداس ابونا بيشوي علي قناة c t v
الخميس نوفمبر 08, 2012 12:55 am من طرف naderegyptair

» ترنيمة يا يسوع تعبان
الخميس مارس 15, 2012 9:56 am من طرف زهرة المسيح

» هااااااااااااااااااام جدااااااااااااااااااااااااااااا
الجمعة مارس 09, 2012 8:17 pm من طرف البابا كيرلس

» جسد القديس العظيم ماسربل
الجمعة مارس 09, 2012 8:12 pm من طرف البابا كيرلس

» يسوع باعت رساله لاولاده النهارده
الجمعة مارس 09, 2012 7:59 pm من طرف البابا كيرلس

» ارجو الصلاه من اجل البابا
الجمعة مارس 09, 2012 7:50 pm من طرف البابا كيرلس

» لماذا اختار المسيح ان يموت مصلوبا
الجمعة مارس 09, 2012 7:41 pm من طرف البابا كيرلس

» هل يوجد حلال وحرام فى المسيحية
الأربعاء مارس 07, 2012 9:06 pm من طرف البابا كيرلس

» عارفة يعني إيه إحنا أصحاب ؟
السبت فبراير 25, 2012 9:51 pm من طرف Admin


بحث شامل عن شخصية بولس الرسول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحث شامل عن شخصية بولس الرسول

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء فبراير 22, 2011 10:12 pm

بولس الرسول

و " بولس " هو الاسم الروماني، ومعناه " صغير أو قليل". أما اسمه العبراني فهو " شأول " ومعناه " المطلوب أو المسئول ". وكان أحد القادة البارزين فى الكنيسة الأولى، وكانت خدمته ــ أساساً ــ للأمم.
كان شأول يهودياً من سبط بنيامين ( في 3 : 5 )، وقد أطلق عليه اسم "شأول الذي هو بولس أيضاً " ( أع 13 : 9 )، اسم أبرز شخصيات سبط بنيامين، ألا وهو " شأول " أول ملك لإسرائيل.
أولاً ــ تاريخه : ولد بولس في طرسوس فى مقاطعة كيلكية ( أع 9 : 11، 21 : 39، 22 : 3 ). ولا نعرف الكثير عن عائلته، إلا أن جيروم يسجل لنا تقليداً يقول أن أبويه جاءا أصلاً من مدينة في الجليل اسمها " جيسكالا "، وأنهما هربا إلى طرسوس عندما اجتاح الرومان فلسطين في القرن السابق للميلاد، والأرجح أن العائلة كانت موسرة نوعاً ما، فحيث أنه ولد مواطناً رومانياً ( أع 16 : 37و 38، 22 : 25 ــ 9 )، فلابد أن عائلته كانت ذات ثروة مكانة ويبدو من قوله : " نتعب عاملين بأيدينا " ( اكو 4 : 12 )، وكلماته للفيلبيين ( في 4 : 14 ــ 19 ) عن العطية التي أرسلوها له، أنه كان يتكلم وكأن مركزه الاجتماعى يتعارض مع هذه الأمور.

وكانت الشريعة اليهودية تقتضى أن يبدأ الولد في دراسة الأسفار المقدسة وهو في سن الخامسة، ودراسة التقاليد اليهودية وهو في سن العإشرة. ويقول يوسيفوس إن الأسفار المقدسة والتقاليد اليهودية كانت تدَّرس في كل مدينة للأولاد اليهود " عند بداية بلوغ سن الادراك ". كما يذكر فيلو نفس الأمر قائلاً " منذ الحداثة الباكرة ". ولا شك في أن بولس قد انهمك منذ حداثته في هذه الدراسة سواء فى البيت أو في المدرسة الملحقة بالمجمع. كما أن الوجدان اليهودي كان يحترم العمل اليدوي، ويعتبر أن النبوغ العقلي والنشاط اليدوى صنوان لا يفترقان. ويشتهر غمالائيل الثاني بقوله : " ما أسمي دراسة التوراة مع العمل الدنيوي، لان التوراة بدون عمل دنيوي لا جدوى منها فى النهاية، بل قد تؤدى إلى الاثم ". وهناك قول يهودى قديم ماثور : " من لا يعلم ابنه حرفة، فإنه يعلمه السرقة "
وبناء على هذا تعلم بولس صناعة الخيام، التي كانت تعتبر فى ذلك الوقت " حرفة نظيفة غير شاقة " وإن كانت الآن فى نظر العالم مهنة وضيعة. لقد كانت التربية اليهودية تهدف إلى إنتاج إنسان يفكر ويعمل فى نفس الوقت، إنسان غير مترفع أو مغرور أو كسول. وقد برهنت حياة بولس على أنه قد أنتفع كثيراً من هذا المنهج فى التربية.
وفى الثالثة عشرة من العمر، يصبح الصبي اليهودي، " ابن الوصية "، أي يصبح ملتزماً تماماً بحفظ الناموس. وكان الأولاد النابهون يوجهون لمدارس الربيين ( المعلمين اليهود ) لينالوا حظاً أكبر من التعليم. ويبدو أنه فى هذه السن ــ أو بعدها بقليل ــ جاء بولس إلى أورشليم لمواصلة تعليمه. ولعله كان يعيش مع أخته المتزوجة ( أع 23 : 16 )، فهو يقول : " لكن ربيت فى هذه المدينة ( أورشليم ) مؤدباً عند رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي " ( أع 22 : 3 )، مما يرجح أن مجيئه لأورشليم كان بقصد مواصلة الدراسة على أيدى كبار المعلمين اليهود. كما أن هذا يتفق مع ماذكره يوسيفوس من أنه بدأ تعليمه الفريسى المكثف وهو في نحو الرابعة عشرة من عمره. وفي هذا دليل على ذكاء بولس كشاب ومكانة والديه أيضاً، حتى إنه لم يتم اختياره لمواصلة الدراسة عند كبار المعلمين فحسب، بل ذهب أيضاً إلى أورشليم ليدرس على يد أعظم معلمى القرن الأول، " غمالائيل الأول " ( أع 22 : 3 ). وفي أثناء دراسته بز معظم معاصريه، وأصبح " أوفر غيره فى تقليدات آبائه " ( غل 1 : 14 ).
أما من جهة مظهره الخارجى، فليس عندنا سوى لمحات غير مبإشرة فى العهد الجديد. فما حدث في لسترة، من أن أهل لسترة ــ فى حماستهم الخاطئه ــ اعتبروا برنابا زفس كبير آلهة الأولمب، واعتبروا بولس هرمس رسول الآلهة المجنح ( أع 14 : 12 )، نرجح أن برنابا كان أكثر جلالة ومهابة، بينما كان بولس أقل منه مظهراً ولكن افصح لساناً. ولعل ما يؤيد القول بأنه لم يكن ذا مظهر جذاب، ما كان يقوله معارضوه فى كورنثوس : " الرسائل ثقيلة وقوية، اما حضور الجسد فضعيف " ( 2 كو 10 :10 ). ويذكر بولس نفسه امرين كان لهما ــ ولابد ــ اثر في إضعاف مظهره إلى حد ما ــ فى شيخوخته على الاقل :
2- اعتلال صحته الذي يشير إليه بعبارة : " شوكة في الجسد " ( 2كو 12 : 7 ــ10 )، " وتجربتي التي فى جسدي " ( غل 4 : 13 ــ 15 ) والتي تضرع إلى الرب من أجلها مراراً.
1- "سمات الرب يسوع " فى جسده، والأرجح أنه يقصد بها آثار الجروح والضربات التي أصابته كخادم للإِنجيل، والتي كان يعبترها سمات مقدسة تدل على صلته بالرب يسوع المسيح ( غل 6 : 17 ).
كما أن رسالتيه إلى كنيسة كورنثوس تدلان على أنه كان يعتبر نفسه أقل بلاغة في الكلام من الآخريين ( اكو 2 : 1 ــ 5،2 ــ كو 10 : 10، 11 : 6 ).
وفى نفس الوقت تدل رسائله على أنه كان رجلاً حاد الذكاء، مرهف الحس، ملتهب الروح، شديد الحيوية، قوي العزم، واسع الصدر، صادق الود. وقد وصفه أحد شيوخ أسيا الصغرى فى القرن الثاني بأنه كان : " رجلاً قليل الحجم، أصلع الرأس، أعوج الساقين، قوي البنية، له حاجبان مقرونان، وأنف معقوف بعض الشيء، ودوداً إلى أبعد الحدود، كان يبدو عليه أحياناً أنه إنسان، وأحياناً آخرى أنه ملاك " ( أعمال بولس وتلكه 3 ). ومع أن هذا الوصف قد يكون مأخوذاً مما جاء فى العهد الجديد، إلا أنه قد يكون وصفاً صحيحاً يرجع إلي أيام الكنيسة الأولي.
ويبدو أن مسألة هل تزوج بولس أم لم يتزوج، ستظل معلقة لا يمكن القطع فيها برأي، وإن كان الأرجح انه ظل أعزب طيلة حياته. أما ما يقوله البعض من أنه كعضو فى السنهدريم ( انظر أع 26 : 10 ) كان يجب أن يتزوج وأن يكون له أولاد فهو قول يعوزه الدليل، إذ أنه تقليد يرجع إلى زمن الربي أكيبا فى أوآخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني بعد الميلاد، ولم يكن أمراً محتماً قبل ذلك، كما أنه لا يمكن التعويل على ما ذكره أكليمندس الاسكندري من أن بولس كان متزوجاً، ولكنه ترك زوجته في فيلبي حتى لا تعوقه عن التجوال، وأنها هي المقصودة بالقول : " أنت أيضاً يا شريكي المخلص " ( في 4 : 3 )، فمن غير المعقول مطلقاً أن يحرض الرسول بولس غير المتزوجين والأرامل فى كورنثوس على أن يظلوا بلا زواج " كما أنا " ( ا كو 7 : 8 ) لو أنه كان متزوجاً. كما أن المتصوفين من الكورنثيين كانوا يدعمون آراءهم بالإِشارة إلى أن بولس لم يكن أرمل بل أنه لم يتزوج أصلاً.
كان بولس رجلاً حضرياً مثقفاً له مواقف وخبرات هيأته لرحابة الفكر واتساع الخدمة. لقد نشأ في وسط المركز التجاري والثقافي فى مدينة طرسوس، وتربي فى مدينة أورشليم عاصمة اليهود، وركز خدمته فى العواصم الرومانية الكبيرة، وتطلع إلى المناداة بالإِنجيل فى روما نفسها عاصمة الامبراطورية. وتظهر الحصرية فى استعاراته المأخوذة عن حياة المدنية مثل " ميدان " الألعاب ( اكو 9 : 24 ــ 27، فى 3 : 14 ) والأحكام الشرعية ( رو 7 : 1 ــ 4 غل 3 : 15، 4 : 21 )، والمواكب ( 2كو 2 : 14، كو 2 : 15 )، والمعاملات فى الأسواق ( 2 كو 1 : 22، 5 : 5 ). لقد كان واسع الثقافة فى تقاليد الآباء، كما أنه اتصل أتصالاً وثيقاً بالثقافة اليونانية، وحصل على الرعوية الرومانية، لذلك كان قادراً على أن يتحدث بسهولة لجميع قطاعات العالم الروماني.
أ‌- عبراني من العبرانيين : لكى تفهم بولس جيداً يجب أن نرجع إلى حياته الأولى فى الديانة اليهودية، إلى موضعه فيها وموقفه منها، ثم إلى نشاطه واختباره فى ديانة آبائه.
فبولس يصرح بكل جلاء بأنه يهودي عبراني، وافر الغيرة فى تقاليد الآباء، فقد كان فريسياً لايبزه أحد فى فريسته ( أ ع 22 : 3، 2 كو 11 : 22، وفي 3 : 5 ) : وقد يشك البعض فى ذلك على أساس ظروف نشأته فى طرسوس والمواقف التي عبر عنها فى رسائله والتي تدل على أن بولس كان يقف فى الجانب المتسامح من اليهودية. وفى الحقيقة ليس هذا الأمر بذي أهمية كبيرة فى ذاته، لأن الله قادر على أن يتمم أغراضه مهما كانت خلفية الإِنسان الذى يختاره.
وبينما كان البعض يرون فى بولس " يونانياً من اليونانيين "، إلا أن الكثيرين الآن قد بدأ و فى النظر إلى عبرانيته بأكثر جدية. فالتمييز القديم بين اليهودي فى أرض اليهودية، واليهودي فى الشتات، باعتبار الأول أصح فى عقيدته، لم يكن فى محله دائماً، حيث أن سلامة العقيدة اليهودية لم تتوقف كثيراً على التوزيع الجغرافي، مثلما على المناخ العقلي سواء فى الوطن أو فى الشتات. وإدراك بولس لوحدة الناموس، ولعجز الإِنسان عن حفظ الناموس، يمكن أن نجد له مثيلاً فى بعض الكتابات اليهودية فى عصره. وإلحاحه فى الحديث عن عجز الإِنسان كالخلفية التي يظهر امامها سمو رحمة الله ونعمته، يظهر بشدة في تعليم بعض افاضل الربيين.
ولعل سلامة عقيدة بولس لا تظهر أكثر مما فى موقفه من الأسفار المقدسة، حيث كان من عادته أن يستند في أقواله إلى التعاليم القديمة الأصيلة، وليس إلى تفسيرات معاصريه، حتى فى كرازته للأمم وتعليمه بالاتحاد الشخصى الكامل مع الله " في المسيح " ــ رغم أختلافه إلى حد ما، في مداه ومحتواه عن اليهودية كان قريب الشبه بالتعبيرات الرفيعة الموجودة فى التلمود. وكلما يتعمق الإِنسان فى فكر الرسول ( مع الأخذ فى الاعتبار ما أحدثته قيامة الرب من مفاهيم جديدة )، يجد ان اقوال بولس ومزاجه العقلي وأساليب تعبيره، لها جذورها العميقة فى أنبل صور الفريسية اليهودية قبل خراب أورشليم.
وليس معنى هذا أن ننكر وجود أفكار وتعبيرات يونانية فى كتاباته. ومع عدم ظهور أي أثر عميق للفلسفة اليونانية في تفكيره، إلا أنه استطاع أن :
1- يطوَّع لغتها الدينية ويستخدمها في شرح الحق المسيحي ( كما في كو 1 : 15 ــ 20 ).
2- يستشهد بأقوال بعض كتاَّبها ( أ ع 17 : 28، اكو 15 : 33، تي 1 : 12 ).
3- يناقش الأمور اللاهوتيه بنفس أسولبهم ( رو 1 : 19و 20، 2 : 14، 15 ).
4- يستخدم أسلوبهم في النقد اللاذع ( كما في رو 2 : 1 ــ 3 : 20، 9 : 1 ــ 11 : 36 ).
وهذه أشياء كان يمكنه اكتسابها فى أثناء دراسته عند الربيين في أورشليم، حيث كان الربيون واسعو الأفق، يتعلمون شيئاً عن أساليب تفكير الأمم. كما كان يمكنه اكتسابها فى اتصالاته الشخصية فى طرسوس، أو فى رحلاته الكرازية بعد ذلك. ومهما كانت كيفية اكتسابها، فإن بولس استخدمها لأنها كانت قادرة على نقل المعنى الذى يريده بدون الإِشارة إلى مفهومها فى الفسلفة الدينية اليونانية. وهي تبدو فى رسائله شيئاً ثانوياً يختص بالسطح أكثر مما بلب فكرة وتعليمه.
ب- مضطهد الكنيسة : أول ما يظهر بولس على صفحات العهد الجديد، يظهر في دور مضطهد الكنيسة، فقد شارك في رجم استفانوس، كما كان يجر المؤمنون في أرشليم إلى السجن، ويسترجع المؤمنون الذين فروا إلى مناطق خارج أورشليم طلباً للنجاة ( أ ع 7 : 58 ــ 8 : 3، 9 : 1و 2، 1كو 15 : 9، في 3 : 6 ).
ويرى البعض أن هذا العمل لم يكن يليق بتلميذ نابه من تلاميذ معلم واسع الفكر متسامح مثل غمالائيل الأول، فكلمات غمالائيل في الاعمال ( 5 : 34 ــ 39 ) مثال للاعتدال في وسط جو من السعار المجنون. ولكن ما يجب ملاحظته هو انه في العيون الفريسية ــ على الأقل ــ كان الموقف الذي واجه غمالائيل، يختلف تماما عن الموقف الذي واجه " الربي الشاب شأول، فقبل تلك المشورة التي أبداها غمالائيل، يسجل سفر الأعمال شهادة الكنيسة عن يسوع المسيا والسيد والمخلص، وعن موته بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وعن قيامته الظافرة، ومكانه السامي الآن كالفادي الممجد. كانت كرازة المسيحيين الأوائل عملية في أساسها، بدون الدخول في التفصيلات الكاملة للتعليم الذي تتضمنه عقيدتهم. ولم يسبب هذا التعليم انزعاج السنهدريم ــ وبخاصة الصدوقيين والكهنة ــ فحسب، بل كان الأهم من ذلك أنه كان تحدياً لسلطاتهم. أما بالنسبة للفريسيين ــ الأكثر نبلاً وتسامحاً ــ كان مسيحيو أورشليم مازالوا معتبرين داخل دائرة اليهودية، ولم يكن هناك ما يدعو لمعاملتهم كهراطقة، وكان في الامكان تأويل ما يقولونه عن الوهية يسوع المسيح، وبخاصة أن المسيحيين من اليهود لم يظهروا أي تهاون في حفظ الناموس نتيجة لعقيدتهم الجديدة. ولكن في الفترة من مشورة غمالائيل وتصرف بولس مع المسيحيين، ظهركرازة المسيحيين ما أعتبره أغلب اليهود نذيراً بالارتداد. ونجد في الأصحاحين السادس والسابع من سفر الأعمال أن استفانوس أخذ في تطبيق مسيانية يسوع على عهد الناموس. ولعل ما دفعه إلي ذلك هو موقف إليهود العائدين من الشتات إلي موطنهم تحدوهم رغبة متقدة لحفظ الناموس بأكثر تدقيق، وكانوا شديدي الاهتمام بموقف المسيحيين منه. ولا شك في أن استفانوس كان له اهتمام جاد بالموضوع نفسه، ولكنه كان سبيلاً يكتنفه الخطر الشديد، ولم يكن الرسل أنفسهم قد سلكوه حتى ذلك الوقت، مع أنه كان كامناً في صلب إيمانهم بيسوع كالمسيا. لقد كانت أقوال استفانوس في نظر اليهود، ارتداداً في أشنع صوره. ولو كان غمالائيل قد واجه مثل هذا الجانب من المسيحية، لكان موقفه قد تغير. فقد كان التعليم الجديد يهدد أسس اليهودية، وأمام ذلك، كان يمكن لبولس أن يحظى بموافقة معلمه العظيم، على ما شرع فيه من اجراءات ضد المسيحيين.
ولعل الأساس المنطقى لهذا التصرف العنيف جاء نتيجة للفكر السائد، من أنه بينما لا يوجد شيء يمكن أن يعجل بمجيء عصر المسيا أو يعوقه، فان شيوع الإِثم والارتداد في الأمة يمكن أن يعطله. وهكذا وجه بولس جهوده ضد اليهود المؤمنين بيسوع الناصري، لأن زعيمهم ــ من وجهة نظر بولس ــ قد برهن الصلب بُطل دعواه، وأن كرازتهم التي تسبب الانقسام، ستعمل على تأخير مجيء عصر المسيا الموعود به لإسرائيل.
كما أن تصرف بولس، كان يمكن تبريره كتابياً، اذ نجد في سفر العدد (25 : 1 ــ 5 ) كيف أمر موسى بقتل الذين تعلقوا ببعل فغور قبيل دخول الشعب إلى كنعان. ثم نقرأ بعد ذلك عن ارتداد غضب الله بسبب ما قام به شخص وأحد، هو فينحاس، الذى نال استحسان الله من أجل غيرته وحيلولته دون ارتداد إسرائيل، وذلك بقتله اثنين من رؤوس الفتنة والشر. وكان الموقف في نظر بولس، يبدو شبيهاً بذلك، فإسرائيل على وشك الدخول إلى الأرض لأن عصر ملك المسيا يقترب، وهذا الارتداد يمكن أن يؤخر بركات الله. ويحتمل أيضاً أن ما قام به متنيا وبوه ( من المكابين ) منذ حوالي قرنين من الزمان، من استئصال الارتداد من وسط الشعب ( امك 2 : 23 ــ 28و 42 ــ 48 )، كان نصب عينيه، وربما كان يرن في أذنيه ذلك القول : " فإنه إذا لم يُهمل الكفرة زمناً طويلاً، بل عُجِّل عليهم بالعقاب، فذلك دليل على رحمة عظيمة " ( 2مك 6 : 13 ).
كل هذا، مع ارتفاع موجة توقع مجىء عصر المسيا، كان كافياً لتحريض بولس على أن يأخذ على عاتقه استئصال شافة ماكان يعتقد انه ارتداد. لقد كان يظن انه يتمم مشيئة الله من جهة أولئك الناس، كما ذكر فيما بعد ــ كان يقأوم الله " بجهل في عدم ايمان " ( 1 تي 1 : 13 ).
جـ – ضعوط اختباره اليهودي : كثيراً ما يقولون إن بولس كان يحس في فترة شبابه بضغوط الشرائع الناموسية، ويتوق إلى شيء من المحبة والروحانية. يقولون ذلك تأسيساً على تفسيرهم لما جاء في الأصحاح السابع من الرسالة إلى رومية ( 7 : 7 ــ 25 ) على أنه ترجمة ذاتيه لبولس وأنه كان يصف شبابه حين إدرك مطالب الناموس القاسية، مما جعله في صراع عنيف ــ لا جدوى منه ــ مع ضمير لا يهدأ ويظنون أن هذه الضغوط كانت وراء اضطهاده للمسيحيين، إذ كان يحاول أن يصرف هذه الضغوط في عمل خارجي يسكت به شكوكه.
ولكن علينا أن نلاحظ أن حوار بولس عن علاقة العهد القديم بالعهد الجديد في رسالته الثانية إلى كنيسة كورنثوس ( 3 : 7 ــ 18 )، ليس فيه مفارقة بين الناموسية الصارمة وبين التعليم الجديد، بل بالحرى هى مقارنة بين ما كان له مجد قبلاً، وما له " المجد الفائق " الآن ( 2كو 3 : 10، 11 ). ومع انه يقول عن العهد القديم إنه كان " خدمة موت " ( 2 كو 3 : 7 )، و"خدمة دينونة " ( 2 كو 3 : 9 )، فإنه يؤكد أيضاً أن الزائل كان " في مجد " ( 2 كو 3 : 11 ) رغم أنه زائل بالمقابلة مع المجد الفائق للعهد الجديد.
ويقول في رسالته إلى غلاطية أن العهد القديم كان عبودية ( 4 : 1 ــ 7و 21 ــ 31 )، وذلك فقط بالمقارنة مع الحرية التي في المسيح يسوع. كما يذكر بولس ــ فى مواضع أخري ــ أنه قبل تجديده، كان " أوفر غيرة في تقليدات " آبائه، ومن " جهة البر الذي في الناموس بلا لوم "، وأنه تربى " على تحقيق الناموس الأبوي "، وان الجميع يشهدون له بانه عإش فريسيا ححسب مذهب العبادة الاضيق ( غل 1 : 14 ـ في 3 : 4 ــ 6، أخ 22 :3، 26 :4،5 ).
من هنا يبدو أن اخبتار بولس في الديانة اليهودية كان يتجاوب مع المطالب اليهودية في عصره، فكان يفتخر بناموس الله، ويغبط نفسه لمعرفته بالله ( رو 2 : 17 ــ 20 ). وهو لا يذكر مطلقاً أن حياته السابقة في الديانة اليهودية كانت غلطة فظيعة،بل بالحرى يقيسها بما وجده من المجد الفائق والشركة الوثيقة فى المسيح يسوع، ولهذا ــ ولهذا وحده ــ كان مستعداً أن يحسبها ــ مع كل الامتيازات البشرية ــ " نفاية " ( في 3 : 7 ــ 11 )، فلم يكن عدم رضاه عن الناموس، هو الذي مهد الطريق أمامه إلى المسيحية، بل كان المسيح هو الذي أعلن لبولس عدم كفاية الناموس، وبُطل كل سعي الإِنسان.
فماذاإذاً كان الضغط الذى عاناه بولس في الديانة اليهودية، والذي وجده ينزاح عنه بتسليمه نفسه للمسيح ؟ لا شك في أنه كان يدرك ــ إلى حد ما ــ عجز الإِنسان عن ارضاء الله بعيداً عن رحمة الله ومعونته، ولكن هذا لم يكن وحده كافياً في ذاته، لأحداث التغيير فيه. لقد كانت ديانة إسرائيل ديانة وعد لن يتحقق على أكمل صورة إلا بمجيء المسيا، ولقد كان هذا هو ما وجده بولس يتحقق فى يسوع الناصرى، المسيا الموعود به من الله، المسيا المرفوض، المصلوب، والمقام ثانية والممجد.
ثانياً ــ تجديده وخدمته المبكرة : كانت روما تعترف برؤساء الكهنة في أورشليم كحكام شرف للشعب، وقد تتضمن تحالفهم مع المكابيين مادة عن تسليم الطرفين للمجرمين والهاربين ( امك 15 : 21 ــ 24 ). ومع أن رؤساء الكهنة الصدوقيين لم يحتفظوا بحقهم في حكم الشعب، إلا أنهم احتفظوا بحق استرداد الهاربين لأسباب دينية فقط. ولذلك عندما أراد بولس أن يسترجع المسيحيين من اليهود ( الهيلينين أساساً) " تقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناساً من الطريق رجالاً أو نساء يسوقهم موثقين إلى أوشليم " ( أع 9 : 1و 2، 22 : 5، 26 : 12 ).
أ- ظروف تجديده : فى طريقه إلى دمشق للاتيان بالمسيحين الذين لجأوا إليها، تقابل مع المسيح المقام والممجد، في صورة اعتبرها هو مماثلة لظهور الرب بعد القيامة لبطرس وغيره من الرسل وليعقوب ( اكو 15 : 3 ــ 8 ). ونقرأ فيما سجله لوقا في الأصحاح التاسع من سفر الأعمال، وفي أقوال الرسول نفسه في الأصحاحين الثاني والعشرين والسادس والعشرين من نفس السفر، أنه نحو نصف النهار بغتة أبرق من السماء نور عظيم حوله وحول الذاهبين معه، فسقطوا جمعياً على الأرض، كما أصيب بولس نفسه بالعمى، وسمع صوتاً من السماء قائلاً : " شاول، شاول لماذا تضطهدنى ؟ " فسأل بولس عمن يكلمه، فقال له : " أنا يسوع الذي أنت تضطهده "، ثم أمره أن يقوم ويدخل المدينة فيقال له ماذا ينبغى أن يفعل. ومكث بولس ثلاثة أيام لا يبصر، فى بيت رجل اسمه يهوذا فى " الزقاق الذي يقال له المستقيم ". وأرسل له الرب تلميذاً اسمه حنانيا، وضع يديه عليه، فاسترد بصره وقام واعتمد. كما ذكر له خطه الله بالنسبة لحياته.
وهنا تظهر أمامنا بعض المعضلات فى قصة تجديد بولس فى الأصحاحات التاسع، والثانى والعشرين، والسادس والعشرين، من سفر الأعمال، وهى معضلات شبيهة بما هو موجود فى قصص الأناجيل الثلاثة الأولى، كما توجد فى الروايات المتعددة عن حادثة تاريخية واحدة
وأول هذه المعضلات يتعلق بما ذكره لوفا ( أ ع 9 : 7 ) فى قوله : أما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدا ". بينما يقول بولس فى حديثه : " والذين كانوا معى نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمنى " ( 22 : 9 ). ويقول فى الأصحاح السادس والعشرين : " سمعت صوتا " ( 26 : 4 ).
وقد يبدو للوهلة الأولى _ أن في هذا تناقضاً واضحاً أفلت من كاتب سفر الأعمال، ولكن جميع كتّاب القرن الأول، فهموا تماماً أن المقصود هو أن الذاهبين مع بولس سمعوا الصوت من السماء، ولكن لم يفهم معنى الكلمات سوى بولس. والمعضلة الثانية تتعلق بنص الكلمات التي سمعها بولس، فنقرأ فى المواضع الثلاثة هذة الكلمات : " شاول، شاول لماذا تضطهدنى ؟ " ( أ ع 9 : 4، 22 : 7، 26 : 14 )، إلا في الأصحاح السادس والعشرين (حسب أقدم المخطوطات فماذا كان نص كلمات الرب يسسوع ؟
من المعلوم الآن أن عبارة " ترفس مناخس " كانت تعبيرا يونانيا عن مقاومة الآلهة، وربما كان معروفا فى الدوائر اليهودية أنها نوع من الأمثال التي تستخدمها الأمم، ويحتمل جداً أن بولس في حديثه إلي أغريباس الثاني، أضاف هذه العبارة إلي كلمات الرب يسوع، ليدرك الملك ــ الذى كان لسانه وفكره يونانيين أساساً ــ أن هذا الصوت من السماء كان توبيخاً من الله له هو
أيضاً، ولم يكن ذلك ضرورياً لبولس ( أعمل 9 )، ولا لسامعيه من اليهود في أورشليم (أعمال 22 )، لأن " صوتاً من السماء " كان له مغزاه الواضح لأي يهودي ولكن بولس، لكى يوضح للأمم الرؤيا التي رأها، وجد أن هذه العبارة اليونانية يمكن أن توضح معنى كلمات الرب يسوع كما فهمها هو.
ثم هناك المعضلة المتعلقة بوقت تكليف بولس بالكرازة للأمم، وهى معضلة أصعب من سابقتها. فإننا نفهم من الأصحاح التاسع من سفر الأعمال، أن حنانيا الذي أرسله الرب لبولس ليفسر له معنى الرؤيا التي رأها في الطريق إلى دمشق، هو الذى أخبر بولس بإرساله إلى الأمم. ولكن في الأصحاح الثاني والعشرين ــ مع إشارته إلى خدمة حنانيا ــ نجد أن هذه الأرسالية جاءته في رؤيا آخرى وهو يصلي في الهيكل في أورشليم ( أع 22 : 17 ــ 21 ). كما أننا نفهم من الأصحاح السادس والعشرين أن الإِرسالية جاءته من الرب بينما كان بولس في طريقه إلى دمشق.
وعلى أي حال، فان لقاءه مع يسوع، وخدمة حنانيا، والرؤيا الثانية ــ التي جاءته في الهيكل تأكيداً للرؤيا الأولي ــ كانت كلها بالنسبة لبولس فصولاً في حادثة واحدة. والواقع أنه عندما يتكلم بالتفصيل عن خدمته للأمم، في رحلته الكرازية الأولى، فإنه كان مازال يرى هذا التكليف الثاني امتداداً لإِرساليته الأولي. والأرجح أن الأصحاح التاسع يروي لنا التتابع الواقعي للأحداث المتعلقة بتجديد بولس. وفي الأصحاح الثاني والعشرين ,يضيف تلك الرؤيا التأكيدية التي رآها في أورشيلم بعد تجديده بنحو ثلاث سنوات، أما الأصحاح السادس والعشرون فهو شهادة موجزة أمام الملك، حيث أن رواية التفصيلات خطوة بخطوة أمام الملك ومن معه، تبدو شيئاً مملاً، علاوة على أن الأحداث كلها كانت تبدو لبولس حدثاً واحداً متصلاً.
وقد أعقب تجديده مباشرة قضاء ثلاث سنوات ما بين العربية ( صحراء النبطيين ؟ ) ودمشق ( غل 1 : 17و18 ). ويبدو أن بولس في تلك الأثناء كان يعيد تقييم حياته وفهمه للأسفار الإِلهية، على أساس أن المسيح هو مركزها. وكان يشهد لليهود أن يسوع " هو ابن الله " و " محققاً ان هذا هو المسيح " ( أ ع 9 : 20 ــ 22 ).
ومع أن الكتاب لا يذكر شيئا عن أهمية تلك الفترة لبولس شخصيا، إلا انها كانت ـــ بلا شك ــ فترة فيها أعلن له الروح القدس الكثير عن شخص المسيح ومضامين الرسالة التي كلفه بحملها إلى الامم.
ب- الأحدث السابقة الممهدة : ليس فى العهد الجديد ما يدل على أن بولس قد راى المسيح في أثناء حياته على الأرض. أما ما جاء فى رسالته الثانية إلى الكنيسة كورنثوس عن معرفة المسسيح حسب الجسد ( 5 : 16)، فالتفسير الصحيح لذلك هو أن معرفة المسيح السابقة كانت مبنية على أسس دنيوية، ومن ثم فلا أهمية لها بالنسبة للقضية المعروضة. وبكل تاكيد، كان لشخصية المسيح ودعواه ــ مما وصله من التقارير اليهودية وشهادات المسيحيين ونظرة الفريسيين إليه ــ أثر بالغ في بولس، فلا يمكن أن يقوم إنسان بمثل هذه الحملة من الاضطهاد لو لم يكن قد وصله ما يعده كافياً لاشتعال الكراهية في نفسه فيبدو أن ماكان بولس يعلمه عن المسيح ــ قبل تجديده ــ قد أشعل عدأوته ــ مقتنعاً بأن يسوع كان مجرد محتال، وإن تلاميذه يشكلون خطرا شديداً على مستقبل الأمة بكرازتهم بهذه الأوهام.
يزعم البعض أن تجديد بولس، كان قد مهد له اتصاله بالمسيحيين، وانه تأثر ــ دون أن يدري ــ بمنطق حوارهم وما تتميز به حياتهم من نشاط، وثباتهم أمام الاضطهادات. ويربط لوقا ــ بكل تأكيد ــ بين استشهاد استفانوس واضطهاد المؤمنين وتجديد بولس.
ولكن ليس ثمة تأكيد على الارتباط المنطقي، فمن المستحيل إذاً أن نتحدث ــ بكل ثقة ــ عما كان يعتمل في عقل بولس الباطن. وليس من المجدى أن نحاول تحليل الأمر نفسياً بعد مرور ألفين من السنين، ومع ذلك فالأرجح ان بولس شرع في اضطهاده للمسيحيين وهو يعرف مدى جدية من يضطهدهم، ومدى صلابة عزيمة الشهيد، والآلام المبرحة التي ــ لابد ــ أن يعانيها. ولم يكن التعصب شيئاً غريباً عن فلسطين في أيامه. ومن المحتمل جداً أنه كان مستعداً لتحمل الاجهاد العاطفي في اضطهاد من كان يعتقد أنهم أعداء مخدوعون وخطرون. وليس لنا أن نفترض أن منطق المبشرين المسيحيين قد أثر فيه أثراً بالغاً، فإشاراته ــ فيما بعد ــ إلى عار الصليب، تدل على أن الصليب كان أكبر حجر عثرة أمامه، لا يمكن لأي منطق أو حجة مهما بلغت أن ترفعه ( اكو 1 : 23، غُل 11:5 )
ومع أنه يعترف ــ فيما بعد ــ بما كان لحياته فى الديانة اليهودية واتصالاته بالمسيحيين، من قيمة توكيدية، فإنها ــ كما يبدو ــ لم تكن هى العوامل التي أوصلته إلى النقطة الفاصلة. أن مقابلته للمسيح في الطريق إلى دمشق، كانت هى وحدها الكفيلة بأن تجعل الربي اليهودي الشاب، يعيد النظر في موت يسوع. أن مقابلته مع المسيح المقام، هي وحدها التي اقنعته ان الله قد اثبت صحة كل دعاوي وعمل المسيح الذى كان هو يضطهده. ومن وجهة النظر البشرية، كان بولس محصناً تماماً ضد الإِنجيل، ومع أنه كان رجلا منطقيا، إلا أنه كان واثقاً من أنه لا يمكن أن يوجد دليل يمكن أن يغير نظرته للصليب، حيث أنه كان يرى أن المسيح قد مات موت المجرمين. ولكن الله يقدم الدليل للجادين المخلصين ليقنعهم ويقودهم إلى الحق، لهذا فان الله السرمدي " قد سُرَّ " ــ كما يقول بولس نفسه وهو يستعيد ذكرياته ــ " أن يعلن ابنه فيَّ " ( غل 1 : 16 )، وهكذا أمسك الرب يسوع ببولس وجعله خادماً له ( في 3 : 12 ).
جـ – القناعات الناتجة : بعد أن تقابل بولس مع المسيح في الطريق إلى دمشق، أصبحت لديه ثلاث قناعات واضحة تمام الوضوح لا يستطيع منها فكاكاً :
1-إن غيرته الشديدة، وامتيازاته العظمى، ويقينه بأنه يفعل إرادة الله، وكل حياته في الديانة اليهودية، كل هذه كانت موضوع توبيح من الله. لقد جاءة صوت من السماء لتصحيح مفاهيمه، ولم يعد هناك مجال لقول آخر. لقد تشبث بناموس موسى باعتباره السلطة العليا، ولكنه لم يدرك أنه سلطة وسيطة، أي أن الناموس قد أعطي كمودب ليقود الناس إلى الإِيمان بالمسيح يسوع ( غل 3 : 19 ــ 24 )، وحيث أن المسيح قد جاء، وأذيعت رسالة الإِنجيل، فإن رفض من يتكلم عنه الناموس، وتوقير الحرف عن " الشخص " ــ الذى هو موضوع الحرف ــ إنما هو نكسة أو رجوع إلى " الأركان الضعيفة الفقيرة " ( غل 3 : 25 ــ 4 : 11 ).
2- لم يكن فى استطاعته الهروب من تلك النتيجة، وهي أن يسوع الذي كان يضطهده، حي وأنه واحد مع الآب الذي كان إسرائيل يعبده. فعليه إذا أن يراجع كل أفكاره عن حياة الناصري وتعليمه وموته ، لأنه من الواضح الجلي ان الله قد اثبت صدقه بصورة تسمو فوق كل جدل أو شك، فأصبح مضطراً إن يوافق المسيحيين على أن موت المسيح على الصليب، لم يكن دليلاً على انه كان مضللاً، بل كان تدبير الله من اجل خطية الإِنسان، وكان اتماماً للنبوات. كما وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن قيامة المسيح ــ إتماماً أيضاً للنبوات ــ كانت برهاناً قاطعاً على كل هذه الحقائق، وأن فيها يقين الحياة لكل من يؤمن بالمسيح ( اكو 15 : 3 ــ 20)، ووجد فى تسليمه للرب المقام، إتماماً لوعد العهد القديم وكل انتظاراته، كما وجد فيه البر الحقيقي والشركة العميقة مع الله.
3- القناعة الثالثة التي أصبحت واضحة أمام بولس، هى أن الرب يسوع المسيح قد اختاره ليكون رسولاً للأمم يحمل إليهم رسالة الرب الذي صُلب وقام، ولكى يأتي بهم إلى وحدة الجسد الواحد فى المسيح ( رو 11 : 13، 15 : 16، غل 1 : 11 ــ 16، أف 3 : 8 )، فلم يكن بولس يري مطلقاً أنه يختلف في شيء عمن سبقوه من الرسل، فى مضمون الإِنجيل، ولكنه كان واثقاً ــ كما ثبت كتاباته ــ أن الرب أعطاه فهماً جديدا لتدبير الفداء، وهذا هو ما يسميه " إنجيلي " ( رو 2 : 16، 16 : 25) مؤكداً دائماً أنه قد أعُطي له بإعلان خاص من يسوع المسيح ( غل 1 : 1و11و12، أف 3 : 2و 3 ). ومع أنه أدرك من رؤى واعلانات آخرى أن الإِنجيل يعنى المساواة التامة بين اليهود والأمم أمام الله، وأنه لا خطا اطلاقاً فى الأتصال المباشر بالأمم فيما يتعلق بالرسالة المسيحية، إلا أنه ظل يؤكد دائماً أن إرساليته للأمم قد جاءته منذ تجديده.
د ــ خدمته ليهود الشتات : لقد صرف بولس ثلاث سنوات بعد تجديده، فى المنطقة المحيطة بدمشق ( أع 9 : 19 ــ 22، غل 1 : 17، 18 ). والأرجح أن " العربية " المذكورة هنا تشير إلى المنطقة التي كانت تحت سيادة النبطيين، والتي كانت دمشق عاصمة لهم في الكثير من العهود. وفى تلك الأثناء كرز بولس بأن يسوع هو المسيح وأنه ابن الله ( أع 9 : 20و 22 ). وفى نهاية مدة اقامته فى دمشق، اضطر أن يهرب متدليا من طاقة فى زنبيل ( سل ) من السور ( أ ع 9 : 23 - 25، 2 كو 11 : 32 و 33 ). وحديثه عن هذا الحادث فى رسالته الثانية إلى كورنثوس، يدل على أنه حدث عندما كان الملك النبطي أرتياس ( الحارث ) يحكم دمشق. وتدل النقود الدمشقية الأثرية على أن دمشق كانت تحت الحكم المبإشر لروما فى 33 - 34 م، وهذا معناه أن مغادرة بولس للمدينة، التي حدثت فى أثناء حكم الحارث، كانت _ على الأرجح _ فى السنوات الأخيرة من حكم طيباريوس قيصر، وإن كان من المحتمل أنها حدثت بعد اعتلاء كاليجو لا العرش فى 37 م. وعلى هذا الأساس يكون تجديد بولس قد حدث فيما بين 32 - 35 م، وواضح أن القطع في هذا الأمر مستحيل أمام عدم وجود بيانات آخرى.
وعندما وصل بولس إلى أورشليم، شرع في الكرازة لليهود اليونانيين، وهى الخدمة التي أهملت منذ استشهاد استفانوس، ولكنه واجه نفس المقأومة، التي كان أحد قادتها فيما مضى، ويبدو أنه تعرض لنفس الموقف الذي كلف استفانوس حياته ( أ ع 9 : 26 - 29 ). والأرجح أن تلك كانت الزيارة التي مكث فيها خمسة عشر يوماً، والتي ذكرها في رسالته إلى غلاطية ( غل 1 : 18- 20 ). وواضح أن الكنيسة في أورشليم لم تشأ أن تتعرض لنفس السلسلة من الأحداث التي أعقبت كرازة استفانوس، لأنه عندما أدرك الإخوة خطورة الموقف، أحضروه إلى قيصرية وأرسلوه إلى طرسوس ( أ ع 9 : 30 ). ومع أن ذلك لم يكن أمراً مقبولاً من وجهة نظر بولس، إلا أنه كان من ترتيب عناية الله، لأنه وهو يصلى في الهيكل رأى رؤية لم تؤيد رسوليته للأمم فحسب، بل وجاءه الأمر بأن يسرع ويخرج عاجلا من أورشليم ( أ ع 22 : 17 -21 )
ولا نقرأ شيئاً عن بولس بعد هذه الأحداث في أورشليم، إلى أن نراه يخدم في أنطاكية ( أ ع 11 : 25 - 30 )، ولو أننا نعلم من أقواله في رسالته إلى غلاطية ( 1 : 21 - 24 ) أنه واصل كرازته لليهود المشتتين في سورية وكيليكية حيث كان يوجد موطنه " طرسوس ". وقد يكون ترحيب المؤمنين في قيصرية به _ عند عودته من رحلته الكرازية الثالثة - دليلاً على صلة سابقة بفيلبس والمؤمنين هناك. ولعل الكثير من الصعاب والتجارب التي يعددها في رسالته الثانية إلى كورنثوس ( 11 : 23 ــ 27 ) قد جاء من مواقف واجهها في قيصيرية وطرسوس في تلك الاثناء، إذ لاموقع لها في سجل رحلاته التاليه المذكورة فى سفر الأعمال. ولعل اختباره الرائع المذكورة في رسالته الثانية إلى كورنثوس ( 12 : 1 ــ 4 ) قد حدث فى تلك الفترة من حياته أيضاً.
هـ – خدمته للأمم الخائفين الله : عندما تشتت الكنيسة فى أورشليم من جراء الضيق، قام بعض المؤمنين ــ الذين كانوا قد جاءوا أصلاً من قبرس والقيروان ــ بحمل الإِنجيل إلى انطاكية فى سوريا وامتدت خدمتهم إلى اليونانيين ( أ ع 11 : 19 ــ 21 ). ولا نعلم على وجه اليقين من هم المقصودون " بالعدد الكثير " الذين آمنوا ورجعوا إلى الرب، هل كانوا يونانيين من الأمم، أم كانوا يونانيين من اليهود مثلما جاء فى الأصحاح السادس من سفر الأعمال ( 6 : 1 )، وإن كان من الأرجح ــ فى ضوء ما جاء عن كرازتهم لليهود فقط ( أع 11 : 19 )، ثم : " لكن كان منهم قوم.. يخاطبون اليونانيين " ــ أنهم كرزوا بالإِنجيل فى المجامع للدخلاء من الأمم. وعندما بلغت هذه الأخبار الكنيسة في أورشليم، أرسلت برنابا، وهو لأوي قبرسي ( أ ع 4 : 36 ) إلى أنطاكية ليستطلع الأحوال، " ولما أتي ورأي نعمة الله فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا فى الرب بعزم القلب، لأنه كان رجلاً صالحاً وممتلئاً من الروح القدس والإِيمان " ( أع 11 : 22 ــ 24 ).
ثم خرج برنابا إلى طرسوس وجاء ببولس إلى انطاكية ( أ ع 11 : 25 و26 ). ولقد سبق لبرنابا أن وقف إلى جانب بولس عندما ساورت الشكوك التلاميذ في أورشليم من نحوه عقب تجديده ( أ ع 9 : 27 ). ولما كان برنابل يعلم بارسالية بولس للأمم، ويذكر قوة شهادته، ويعرف قدراته، كما أنه كان فى حاجة إلى من يعاونه فى الخدمة بين المتجددين من الأمم، أشرك بولس معه فى العمل فى أنطاكية. ولم يشترك بولس فى العمل مع برنابا فقط، بل كان هناك أيضاً سمعان " الذي يدعي نيجر (أسود )، ولوكيوس القيواني، ومناين الذى تربى مع هيرودس " ( أع 13 : 1 ). ويدل تركيب العبارات فى اليونانية علي أن برنابا وسمعان ولوكيوس كانوا أنبياء، وقد يعنى هذا أنهم كانوا المنصرفين لخدمة الكرازة بإنجيل الخلاص بالمسيح يسوع، بينما كان مناين وبولس هما المعلمان، مما يبدو معه أنهما كانا المسئولين أساساً عن تعليم المتجددين المبادىء الكتابية ومايتعلق بها وقد ظل بولس فى هذه الخدمة سنة كاملة ( أ ع 11 : 16 ).
ولا شك فى أن بولس قام بالكرازة للأمم هناك، ولعله ظن أن هذا هو كل ماتضمنته إرساليته التي كلفه بها الرب عند تجديده. ويحتمل جداً أن الخدمة التبشيرية فى أنطاكية فى ذلك الوقت اقتصرت على المجمع، بغض النظر عما إذا كان من الصواب أن يتوجهوا إلى الأمم مباشرة فى خدمتهم مع التوسع فيها. ويحتمل أن المؤمنين فى أورشليم وفى أنطاكية ــ سواء كانوا من اليهود أو الأمم ــ كانوا يرتبطون بشكل ما بالمجمع، وهكذا بدا فى نظر الكثيرين من المؤمنين من اليهود، أن تجديد الأمم الخائفين الله الذين أنضموا ــ إلى حد ما ــ تحت لواء اليهودية، قبل إيمانهم بالمسيح، شبيه بحالة الدخلاء، أما سكان المدينة الآخرون، من غير المؤمنين، فقد أطلقوا عليهم اسم " مسيحيين " أي " أتباع المسيح " أو " أهل بيت المسيح".
وفى أثناء خدمة بولس فى أنطاكية " جاء نبي من أورشليم اسمه أغابوس وتنبأ عن المجاعة المقبلة، فأرسلت الكنيسة فى أنطاكية معونة إلى الإِخوة فى أورشليم بيد برنابا وبولس ( أع 11 : 27 ــ 30 ). ونعلم من سفر الأعمال أن المجاعة حدثت فى أيام كلوديوس قيصر، ويمكن تحديد التاريخ فى 46 م. وذلك من كتابات المؤرخين تاسيتوس وسرتونيوس عن انتشار مجاعة فى نحو ذلك الوقت، وكذلك من بردية عن ارتفاع ثمن الحنطة فى نحو ذلك التاريخ عينه، كما يحكي يوسيفوس عن الملكة المصرية هيلينا، التي كانت قد اعتنقت اليهودية، وجمعت الامدادات من مصر وقبرس لإِرسالها إلى أورشليم التي هددتها المجاعة، عقب عودتها من رحلة إلى تلك المدينة فى نحو سنة 45 أو 46م.
وتتوقف معرفتنا لتحركات بولس فى ذلك الوقت على حل اللغز القديم عن العلاقة بين زيارتيه لأورشليم المذكورتين فى رسالته إلى غلاطية، وزياراته الثلاث لأورشليم المذكورة فى سفر الأعمال. فبينما يقول الكثيرين أن الزيارة الأولي المذكورة فى الرسالة إلى غلاطية ( 1 : 18 ــ 20 ) هى الزيارة المذكورة فى سفر الأعمال ( 9 : 26 ــ 29 ) كما سبق القول، فإن الكثيرين أيضاً يرون أن الزيارة المذكورة فى غلاطية ( 2 : 1 ــ 10 ) هى ذهابه إلى مجمع أورشليم المذكور فى الأصحاح الخامس عشر من سفر الأعمال. فالقضية غامضة ويتوقف عليها الكثير من النتائج. وأبسط حل واكثرها قبولاً هو أن زيارته المذكورة فى رسالته إلى غلاطية ( 2 : 1 ــ 10 ) هى المتعلقة بموضوع المجاعة والمذكورة فى الأصحاح الحادى عشر من سفر الأعمال ( 11 : 30 ). ويكون حرف العطف " ثم " فى بداية الأصحاح الثاني من رسالته إلى غلاطية يعود إلى نفس النقطة التي بدا منها حساب السنوات الثلاث فى الأصحاح الأول ( غل 1 : 18 )، فكلتاهما تبدآن من وقت تجديده، وبذلك يكون تجديده قد حدث فى نحو عام 33 م. ويكون هروبه من دمشق قد حدث فى نحو 36 م، وزيارته بمناسبة المجاعة، إلى أورشليم، بعد أربعة عشرة سنة من تجديده أي في نحو عام 46 م. وبناء على هذا الرأي يمكن قوله إنه " صعد بموجب إعلان " ( غل 2 : 2 ) إشارة إلى نبوة أغابوس (أع 11 : 28 ).
فإذا كان ما جاء فى رسالته إلى غلاطية ( 2 : 1 ــ 10 ) ينطبق على زيارته المذكورة فى سفر الأعمال ( 11 : 30 )، يكون بولس وبرنابا قد انتهزا فرصة إرسال كنيسة انطاكية لهما ــ بالمعونه للمؤمنين الذين أصابتهم المجاعة فى أورشليم ــ لعقد حوار خاص مع يعقوب وبطرس ويوحنا حول طبيعة الإِنجيل، وسلامة الكرازة للأمم، وعلاقة المؤمنين من الأمم بالناموس. وقد أخذا معهما تيطس، وهو مسيحي أممي غير مختون، ولعل وجوده كان مقصوداً كمحك للقضية، وربما كان وجوده لمجرد المعأونة فى تلك المهمة، بدون النظر إلى ما يمكن أن يثيره وجوده من ردود الفعل. ويذكر بولس موقف فريقين فى أورشليم فى حديثه عن هذا الموضوع :
1-موقف "الإخوة الكذبة المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاساً ليتجسسوا حريتنا التي لنا فى المسيح كي يستعبدونا " ( غل 2 : 4و 5 ).
2- موقف الرسل المعتبرين أهم أعمدة فى كنيسة أورشليم ( غل 2 : 6 ــ 10 ). ولا نستطيع الجزم بهل كان الإخوة الكذبة جواسيس من اليهود دخلوا ليستكشفوا المؤمرات التي يخطط لها المسيحيون من الأمم، أو أنهم كانوا مسيحيين من اليهود الساخطين الذين هددوا بإذاعه ما كان يحدث فى أنطاكية، إن لم يختن تيطس. ولكن النقطة البالغة الأهمية التي يجب أن نلاحظها هي أنه بالرغم من الضغوط المتزايدة، أتفق الرسل فى أورشليم مع بولس على جوهر الإِنجيل وصواب الكرازة للأمم، رغم أنهم رأوا أن خدمتهم ترتبط بدائرة غير دائرته، والأكثر من ذلك أنهم لم يطلبوا مطلقاً لزوم ختان المؤمنين من الأمم. ولكن حتى ذلك الوقت، لم تكن الكرازة للأمم مبإشرة خارج المجمع قد برزت إلى المقدمة، إذ لم يظهر هذا الموضوع إلا فى الرحلة التبشيرية الأولى، وكان هو الدافع إلى عقد المجمع فى أورشليم.
ثالثاً ــ الرحلة التبشيرية الأولى :

كثيراً ما ينظر إلى رحلة بولس التبشيرية الأولى كمجرد حادثة عارضة، ذكرها لوقا لينتقل بها من الأحوال فى أورشليم تحت حكم هيرودس أغربياس الأول ( أع 12 ) إلى مجمع أورشليم ( أع 15 )، ولكن النظر إلى هذه الفترة من حياة بولس على أنها فترة قليلة الأهمية، إنما يتجاهل التقدم الهام الذي حدث فى الكرازة بالإِنجيل، ويهدم الأساس المنطقي للأحداث التي أعقبت ذلك.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

Admin
المدير العام
المدير العام

عدد المساهمات: 216
تاريخ التسجيل: 09/07/2010
العمر: 21

http://class2010.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى